Article

Primary tabs

قداسة البابا… وقداسة السّلام

بقلم رزق الله حلو

في مشهَد غير مألوفٍ في عالمٍ متعطّش إلى التّواضع والمحبّة والسّلام والرّجاء… قبل قداسة البابا فرنسيس، حذاء رئيس جنوب السّودان متوسّلاً السّلام…

خطوة وإن بدت غريبةً بالنّسبة إلى البشر، إلاّ أنّها تُحاكي تواضع السيّد المسيح، الّذي قبّل أقدام تلاميذه، في أبلغ درسٍ عن المحبّة وكيف يكون الكبير خادمًا للصّغير فهو القائل: “جئتُ لأخدُم لا لأُخدَم”.

فعلاً ما هو مُستَغرَب في نظر البشر، هو عظيم في نظر الله!.

هذا من وجهة النّظر في السّماء، وأمّا على الأرض، فتزامن إعلان الانقلاب في السّودان مع الزّيارة الأولى لقادة جنوب السّودان منذ انفصاله عن جمهوريّة السودان في 2011، لبابا الفاتيكان.

غير أنّ الحدث الأبرز كان سجود بابا الفاتيكان لتقبيل أقدام حذاء سلفاكير ميارديت، رئيس جنوب السّودان، وآخرين من قادة الجنوب، والمعروف عنهم اختلاف العقيدة بينهم. هم ينتمون إلى كنيسة الإسكندريّة والبابا بالنّسبة إليهم “تواضروس”، وأمّا فرانسيس فهو رأس الكنيسة الكاثوليكيّة، ويُعتبر بحسب علماء اللاهوت عقيدة مختلفة، إلاّ أنّ البابا فرنسيس اجتمع بقادة الجنوب السّودانيّ المنشقين لإرساء سلام بين “الإخوة الأعداء” المتحاربين.

خطوةٌ جبّارةٌ من قداسة البابا أظهر فيها قداسة السّلام أيضًا!.

ويعتبر المراقبون أنّ سبب تقبيل بابا الفاتيكان قدم القادة وأبرزهم “سلفاكير”، ليس ترضية للإنصات إلى مبادرته، بل لكونهم نجحوا في الانفصال عن السّودان وكوّنوا دولة مسيحيّة في الجنوب.

ورأت مصادر صحافيّة أن ما قام به البابا “لفتة دراميّة، بعد اجتماع غير مسبوق في الفاتيكان لتقبيل أقدام زعماء جنوب السّودان المتحاربين، وحضّهم على عدم العودة إلى حربٍ أهليّةٍ”.

وأوردت فضائيّة “الجزيرة”، أنّ البابا حضّ رئيس جنوب السّودان “سلفا كير”، ونائبه السّابق الّذي تحوّل إلى “الزّعيم ريك مشار”، وثلاثة نوّاب آخرين للرّئيس، على احترام الهدنة والالتزام تشكيل حكومة وحدة وطنيّة الشّهر المقبل.

كما جمع الفاتيكان زعماء جنوب السّودان على مدى 24 ساعة من الصّلاة والوعظ، الأربعاء 10 نيسان (أبريل) الجاري، في محاولةٍ لرأب الانقسامات المريرة.

وكذلك أعلن الفاتيكان سابقًا، أنّ اللقاء تمّ بناء على اقتراح رئيس أساقفة “كانتربري” جاستن ويلبي، لمحاولة دعم اتفاق السّلام الّذي تمّ التّوصّل إليه بين كير ومشار، في أيلول (سبتمبر) الماضي.

وأدّى الانقسام الّذي حدث عام 2013 بين كير ونائبه السّابق مشار إلى اندلاع حربٍ أهليّةٍ، أدّت إلى مقتل عشرات الآلاف ونزوح حوالي أربعة ملايين شخص، ووقّعت الأطراف المتحاربة اتفاق سلام في أيلول 2018 صمد حتّى الآن، على رغم قيام جماعات مختلفة بخرقه. كما وانهار الكثير من اتفاقات السّلام الأخرى الّتي تم توقيعها سابقًا.

كلّ ذلك حدث بعد ساعات من عزل الرّئيس السّودانيّ عمر البشير، ووصول رئيس جنوب السّودان وعدد من قادة الدّولة إلى الفاتيكان. فهل مَن يسمع دعوة البابا الممتلئة إلحاحًا، فيكون صانعًا للسّلام، عملاً بقول السيّد المسيح: “طوبى لفاعلي السّلام، فإنّهم أبناء الله يُدعَون”؟.

هل يعملون بنصيحة قداسة السّلام وطبيب النّفوس في عالمٍ بات يُخشى فيه أكثر ممّن يُميتون النّفوس قبل الأجساد، ويروّجون للشّيطان حربًا وكراهية وتدنيسًا للقيم؟.

وأمّا السّؤال إلى رئيس جنوب السّودان سيلفا كير، المسيحيّ الكاثوليكيّ فهو: هل سيُطبّق ما أعلنه وتعهّد به، حين قال: “إنّ جنوب السّودان دولة ستقوم على احترام حريّة الاعتقاد”؟.

مناجاة
هنيئًا لنا بك يا قداسة السّلام… يا مَن جثوتَ في 25 آذار (مارس) 2016، على ركبتيك في خميس الغسل، وغسلت قدم لاجئ سوريّ، وانحنيت برأسك عليها مقبّلاً ومتخذاً من هذا الفعل العظيم المُسْتمدّ من ممارسات السيّد المسيح الشّخصيّة، وسيلةً للتّعبير عن قبولك الآخر…

ونشكر لك تقبيلك في اليوم نفسه، أقدام اثنين من المسلمين من مالي وباكستان، وقدمي هندوسيّ من الهند، وثلاث قبطيّات من إريتيريا، و4 كاثوليكيّين من نيجيريا، وقد بدا يومها التّأثر واضحًا فيهم، الى درجة أن بعضهم قبّل يدك، وآخرون بكوا تأثرًا.

ونشكر لك تقبيل قدم موظّفة إيطاليّة في مركز “كاستلنووفو دي بورتو” لاستقبال الطّالبين اللاجئين، التّابع لوزارة الدّاخليّة الإيطالية، في خطوةٍ تدلّ على اهتمامك بطالبي اللّجوء.

ونشكر لك قيامك بمبادرة “الأخوة” في وجه “مبادرات الحرب والدّمار الّتي يرتكبها أشخاص لا يريدون العيش بسلام”!.

ونشكر لك زيارتك عشيّة الجمعة العظيمة عام 2013 أحد سجون ضواحي روما للأحداث، وفيه غسلت وقبّلت أقدام شباب موقوفين أعمارهم بين 14 و21 سنة، بينهم مسلمتان، إحداهما صربيّة، في سابقة تجاوزت بالمحبّة فيها القوانين الكنسيّة الّتي تقضي بغسل أرجل الرّجال فقط، إيمانًا منك بدور المرأة وأهميّتها… ونشكر لك تقبيلك قدم مسلمٍ ليبيّ.

ونشكر لك تخلّيك عن معظم الامتيازات الممنوحة لك، وبينها الحذاء الأحمر الملكيّ والسّيارة الفخمة والجناح الملكيّ في الحاضرة الفاتيكانيّة، إيمانًا منك بحياة الفقر وأهميّة التقشّف في الحياة الدّنيويّة، فيما نحن في لبنان غارقون إلى آذاننا في رذائل الفساد والأنانيّة والبَطَر!…

في كلّ خطوة قمت بها، كان فعل محبّة منك، ورسالة إلينا…

فحين تقدّمت في 10 نيسان (بريل) 2014 إلى “كرسيّ الاعتراف” في الفاتيكان، وركعت أمام الكاهن، طالباً منه سر التّوبة، وأنت مانح البركات الرّسوليّة، إنّما أردت أن تقول لنا: “توبوا… فقد اقترب ملكوت السّماوات”…

إنّ التّواضع وكنز المحبّة لم يظهرا فجأةً في حياة البابا فرنسيس، فهو قبل أن يصبح كاهنًا عمل حارسًا في نادٍ ليلي في بوينس آيرس، وحين كان طالبًا، موّل دراسته من خلال العمل في مسح الأرضيّات، وفي العمل في مختبر كيميائي، فكان عظيمًا في كلّ ما يقوم به…

Back to Top