Article

Primary tabs

رجل الأعمال المغترب نجيب خوري.... رحلة نجاح مغامر من لبنان

هي قصة إغترابٍ مثيرة بطلها مغامرٌ من لبنان... مغامرٌ عشق التحدي لدرجة المخاطرة ونجح... لا بل حلّق عالياً رافعاً معه راية وطن الأرز بكلّ فخرٍ وإيمان... فبخطىً ثابتة مدروسة وبكثيرٍ من الحنكة والحكمة والخبرة تمكّن نجيب خوري من حجز مكانةً له بين كبار رجال الأعمال في بلاد الإنتشار من دون أن تتمكّن إنشغالاته الكثيرة من أن تنسيه لبنان وترتج، البلدة التي إحتضنته قبل أن يحتضنها في فكره وأعماله وإنجازاته.
قصة نجيب خوري هي قصة شابٍ مكافحٍ قاده الطموح إلى القارة السمراء بحثاً عن مستقبلٍ آمنٍ ومستقرّ. صحيحٌ ان طريقه لم يكن مفروشاً بالورود لكنّه تمكنّ من إزالة الأشواك وتخطي العقبات من خلال المثابرة والعمل الجدّي الذي أثمر تألقاً ونجاحاً وصل صداه إلى بيروت ومختلف عواصم العالم.
فمن موظفٍ موهوبٍ في شركة «جنرال موتورز» في الكونغو إلى رجل أعمالٍ عملاق، مسيرة صاخبة مليئة بالمفاجآت، النجاحات والمطبّات جعلته يتحوّل إلى قدوة ومصدر إلهامٍ للعديد من الشبان الذين يرون في الهجرة طاقة خلاص من دولةٍ تعيسةٍ تهمل شبابها وتتخلّى عن طاقاتها.

التحدي غير  حياتي
في معرض حديثه عن مسيرته الشيّقة يشير نجيب خوري إلى أن التحدّي هو العامل الفعلي الذي دفعه كشابٍ من الطبقة المتوّسطة إلى المغامرة في بلادٍ لا يعرفها سوى من خلال الأفلام السينمائيّة، لأنّه من خلال التحدي يستطيع الإنسان أن يصل إلى أهدافه، ويضيف قائلاً: «في الحقيقة لقد بنيت نفسي بنفسي، وإنطلقت من الصفر حيث بدأت كأيّ شاب بالبحث عن فرصة عمل، وبالفعل كانت البداية من شركة جنرال موتورز حيث عملت بكدٍ وجهدٍ حتى ترقيّت وأصبحت مديراً للمبيعات، وهناك أيضاً إكتسبت خبرةً في مجال قيادة سيارات السباق السريعة فإشتركت في سباق أفريقيا وأحرزت لقب البطولة مّرتين. في فترة لاحقة قدّمت إستقالتي من الشركة وقرّرت أن أؤسس عملي الخاص، وهكذا اتجهت نحو التجارة حيث إفتتحت متجراً لبيع الألبسة، ومع مرور الوقت تطورّت في السوق وأصبحت تاجر جملة على مستوى كبير».

هكذا إذن دخل خوري عالم التجارة من بابه العريض حيث أسّس في كينشاسا شركة طيران وغيرها من  المؤسسات التجاريّة، قبل أن ينتقل في مرحلة لاحقة إلى برازافيل حيث عمل في مجال البناء والتطوير العقاري. ورغم تعدد أنواع مجالات العمل التي إنخرط فيها إلا أنّ هذا الأخير حرص على منح كلّ شركةٍ أسسّها الإهتمام اللازم بغضّ النظر عن حسابات الربح أو الخسارة.
أما عن أسباب هذا النجاح الذي عجز الكثيرون عن تحقيقه، فيوضح خوري بأن المصداقيّة والشفافيّة في التعاطي مع الزبائن ومع الشركات هي من أهم العوامل التي ساهمت بتحقيق النجاح المنشود.
هذا ويؤمن خوري أيضاً بأنّ لكلّ شخصٍ في هذه الحياة فرصةً ما، والنجاح يرتبط بالتقاط هذه الفرصة وتوظيفها في المكان والزمان الصحيحين.

ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كلّه ولم يعرفه أهل بلده؟
ولأن الإيمان بلبنان يبقى أكبر من المشاكل التي يتخبّط بها وأقوى من الأزمات المتلاحقة التي تعصف به، كان لا بدّ من الرجوع إلى الجذور، إلى الذات والذكريات، فكانت العودة المنتظرة إلى ترتج، البلدة التي لم تفارق قلب خوري طوال فترة إغترابه...
فماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كلّه ولم يعرفه أهل بلده وبلدته، هذه العبارة يرددها خوري مراراً، كفعل تعلقٍ بالعائلة وأرض الوطن وترابه.  

من هنا، كان لا بدّ من العودة للإستثمار في لبنان من خلال مشروع منتجعٍ سياحي ضخم في الكسليك وذلك رغم الصورة السوداء القاتمة التي تسيطر على البلاد،  فهذا المغترب يؤمن بأن هذا الوطن وشبابه يستحقون فرصةً للنهوض من يأسهم، حيث يقول : «سيعود المغترب إلى أرضه للمكوث بين أهله ومجتمعه وناسه، صحيحٌ ان قرار العودة ليس سهلاً أيضاً، انّما لا بدّ منه في نهاية المطاف».
ولم يختر نجيب خوري العودة لقضاء فترة راحة ونقاهة بعد كلّ هذا الشقاء، بل عاد لتوظيف خبراته الواسعة في إنماء بلدته، وبالفعل نجح في ترؤس بلديّة ترتج من دون أن يضطر إلى القيام بحملة إنتخابيّة تقليدية على الطريقة اللبنانيّة، إنما عمل على جمع الأطراف السياسية المختلفة في لائحةٍ واحدة وتحت عنوانٍ واحدٍ هو تقديم أفضل الخدمات للبلدة. صحيحٌ أن الريّس المتحمّس نجح في إطلاق بعض المشاريع الحيوية التي تحتاجها البلدة مثل شق طرقات جديدة حتى تتمكّن الناس من الوصول إلى أراضيها بالإضافة إلى أعمال تزفيت وتدعيم طرقات أخرى وغيرها، إلّا أنه سرعان ما إصطدم بالواقع اللبناني المأزوم بحيث لم يكن راضياً عن هذه التجربة، فقال «حين تدخل السياسة في الإنماء تكثر المشاكل وللأسف في لبنان كلّ الأمور ترتبط بالحسابات السياسية».  
لكن خوري الذي واجه صعاب الإغتراب بالأمس لن يستسلم اليوم أمام هول التحديّات المحليّة، فهو يطرق جميع الأبواب من دون خجل مستفيداً من مسيرته الإغترابية المضيئة للحصول على مطالب بلدته الإنمائية المحقّة.

لا قيامة للبنان من دون المغتربين
ورغم إستقراره في لبنان، بقيت أنظار المغترب العائد مصوّبة باتجاه الخارج، كيف لا وهو من أمضى شبابه يناضل ويكافح من أجل تعزيز حضور المغتربين في وطنهم من خلال الجامعة اللبنانية الثقافية التي كان رئيس مجلس أمنائها منذ فترة غير بعيدة..
فبين الجامعة وخوري حكايةٌ من نوعٍ آخر، ذلك أن تلك المؤسسة ملكت قلبه وروحه بل إختزلت مشوار حياته بعدما انضمّ إليها في العام 1971 قبل أن يوّقع إستقالته منها مؤخراً بسبب فيروس الإنقسامات السياسية المعدي الذي فتك بجسم هذه الجامعة أيضاً.
وحول هذا الموضوع الشائك يوضح خوري أنه «في الماضي اعتبرت الجامعة مظلةً للإغتراب اللبناني، صحيحٌ أنّها لم تصنع المعجزات انّما كانت حاضرة بصورة دائمة لتذكير المغتربين بوطنهم. ولأنها عملت على جمع المغتربين وحفظ دورهم الريادي، كانت تتعرّض لمحاربة شرسة من قبل الطامعين، حتى أصبحت العوامل السياسية مصدراً للإنقسامات التي لم تعد خافيةً على أحد. إذ منذ إنتهاء الحرب، كان السوريون يضمرون نوايا سيّئة تجاه المغتربين وكان الهدف يقضي بفصلهم وأبعادهم كليّاً عن لبنان، فراحوا يعملون على نسج العراقيل التي من شأنها أن تحجّم الجامعة وتحدّ من دورها الريادي، جاعلين من مديرها مجرّد موظفٍ ملحق بوزارة المغتربين بكلّ أسف».وأضاف: «صحيحٌ أن هؤلاء غادروا البلاد في العام 2005، إنما أدواتهم لا تزال فاعلة. ونحن كنا نتمنّى أن يبادر وزير الخارجية الحالي إلى القيام بخطوات من شأنها أن تجمع المغتربين في دول الإنتشار، لأن الشرذمة تضعنا في موقف محرج جدّاً تجاه دول العالم إذ من المعيب أن ننقل خلافاتنا الداخلية إلى الخارج، لكن للأسف لم يقم الوزير جبران باسيل «مع احترامنا الشديد له» بالخطوات المرجوة، بحيث لا تزال الإنقسامات موجودة حتى اليوم، وكلّنا أمل في أن تعود الأمور إلى طبيعتها المنطقيّة السليمة حتى تسترجع الجامعة دورها المحوري ويستعيد المغتربون مكانتهم، فهم عامود لبنان الفقري، ومن دونه لا يمكن لهذا البلد أن ينهض من كبوته».
هذا ويشدد خوري على أن الحلّ يقضي بتشكيل لجنة مصغرّة تكون مهامها العمل سريعاً على لمّ الشمل، مؤكدّاً في هذا السياق على ضرورة منح الثقة والأمان للمغترب اللبناني ليبقى متعلقاً بجذوره الوطنية والعائلية ويعود لزيارة بلده والإستثمار فيه.

وفي كلمة من القلب وجهها للشباب اللبناني، إعتبر خوري أن الإغتراب ليس دائماً مصدر إزدهار رغم قناعته التامة بأن الوضع السياسي الحالي لا يترك خيارات أخرى  للشباب، مشيراً إلى أن النجاح يتطلب صبراً والمغتربون ليسوا جميعاً مرتاحين وناجحين.
في النهاية تمنّى خوري أن ينوّر الله المسؤولين حتى يخرج البلد من هذا النفق المظلم، داعياً إيّاهم إلى بذل المزيد من الجهود تحديداً بعد تشكيل الحكومة وخصوصاً في ظل الأوضاع الإجتماعية والإقتصادية السيّئة التي يرزح تحتها الشعب، هذا الشعب الذي ملّ وتعب وفقد الثقة بدولته.. فالتاريخ لن يرحم من يهدم دولةً كانت في يوم سويسرا الشرق.
 
 
يـــــارا رستــــم

Back to Top