Article

Primary tabs

خاص برايفت ماغازين: د. كامل مهنا طبيب الأوجاع الإنسانية الذي غير وجه العالم والمرشح لجائزة نوبل للسلام

قدّمنا نموذجاً حقيقياً للتغيير ...
ولا ديمقراطية من دون تنمية

إنّها سيرة رجلٍ مكللٍة بالنجاحات والإنجازات في زمنٍ لم يكن النجاح سهلاً أو حتى متاحاً لأبناء الطبقة المتوّسطة... إنّها مسيرة طبيبٍ إستثنائيٍ من جنوب لبنان حيث الجرح النازف لا يزال ينضح دماءً ودموعاً... إنّه مشوارٌ إنسانٍ عظيمٍ بتواضعه وشجاعة مواقفه وصلابة مبادئه... فهو ذاك الرجل الجبّار الذي خاض التحدّي تلو التحدّي وواجه السياسات العالمية الكبرى بكلّ شغفٍ وإصرار لضمان حقوق الناس الأشدّ فقراً ودعم كلّ شعبٍ مظلوم.
هو الذي آمن بمهنته فكراً وممارسةً، فكان الطبيب الذي يداوي الأوجاع من منطلقٍ إنسانيّ لا يعرف غايةً تجاريّة او مصلحيّة، هو الذي وضع روحه على كفّه ودار بين المناطق والمخيّمات لتضميد جراح الناس الأكثر تهميشاً ووجعاً من دون اي تمييز، في الوقت الذي كانت فيه العراقيل والحواجز الطائفية والعسكرية تفرّق الإخوة والعائلات ضمن المنطقة الواحدة والوطن الواحد.
لقد أرسى هذا المناضل الكبير نهجاً نموذجياً في التغيير استحقّ عليه كلّ تقدير، وما ترشيحه لجائزة نوبل للعام 2019، سوى دليلٌ على تأثير هذا الرجل العملاق على الساحة الدولية من خلال الدور الإنساني الريادي الذي قام به في تنمية القيادات المجتمعية طيلة الأعوام الـ50 المنصرمة، بحيث نجح في ترجمة مبادئ العمل الإنساني على أرض الواقع بعيداً عن المزايدات والمصالح المعتادة، لتشكّل تجربته الشخصيّة الخاصة أو المؤسساتية من خلال جمعيّة «عامل» جسر عبور الى مجتمعٍ عادل وحضاري متصالح مع شعبه.
أسرة مجلتنا كان لها شرف لقاء رئيس «مؤسسة عامل الدولية» والمنسق العام لـ»تجمّع الهيئات الأهلية التطوعية في لبنان» الدكتور كامل مهنا الذي حدثنا عن مسيرته الشيّقة وأبرز المحطات التي طبعت وغيّرت مجرى حياته.
في بداية اللقاء، يتوقف الدكتور مهنا عند الظروف التي دفعته الى الانخراط في الأعمال الإنسانيّة، حيث يقول :» أنا ابن عائلة فلاّحين متواضعة من الجنوب وتحديداً من الخيام، والدي كان يتاجر بالمواشي بين لبنان سوريا وفلسطين، كما كان لمدة 40 سنة نائباً لرئيس البلديّة وناشطٌ جدّاً على هذا المستوى، وبالتالي فإن ثقافة الشأن العام موجودة في بيتنا»، ويضيف موضحاً بأن “المنطقة التي ترعرعنا بها كانت تعاني من الحرمان وتسلّط الإقطاع، ونحن أبناء عائلة صغيرة إنّما كنّا نتحاور مع جميع الأطراف، من هنا فإنّ الأجواء الديمقراطية كانت سائدة في المنزل وفي وإطار تعاطينا مع الناس”.
هذا ويلفت مهنا الى المعاناة التربوية التي كانت سائدة آنذاك، بحيث كان آخر صفٍّ تعليمي في البلدة هو الثالث تكميلي، مشيراً الى ان والده تمكّن من تأمين التعليم الثانوي والجامعي لإخوته في المدارس والجامعات الخاصة اللبنانية قبل ان يتابعوا تحصيلهم العلمي في فرنسا»، ويتابع:»لسوء حظي لم يتمكن والدي من تأمين دراستي في مدارس خاصة كإخوتي نظراً للظروف المالية، وأنا أعترف بأنني تعلّمت بالصدفة، بحيث تابعت دروسي في مدرسة البلدة الرسمية ونلت شهادة البكالوريا من مدرسة صيدا وشهادة العلوم العامة الثانوية من بيروت، وحين أصبح شقيقي طبيباً صرت أساعده. وقد أحببت مهنة الطبّ، فقررت الذهاب الى فرنسا للتخصص في هذا المجال، ولهذه الغاية اضطر الوالد لبيع قطعة أرض حتى أتمكّن من دفع التكاليف”.
وعن تقبّل مجتمع الخيام الإقطاعي لأبناء العائلة المتفوقين، فيشير الدكتور مهنا الى «إنّ تخصصّ اخوتي ونيلهم شهادات عالية اصطدم مع الواقع الإقطاعي في البلدة، إذ لم يتقبّل الإقطاعيون مثل هذا الأمر، وقد تعرّض بيتنا لهجمات عديدة بفعل ذلك»، ويضيف قائلاً: «إن كلّ تلك الأمور ترسخّت في ذهني الى جانب النكبة الفلسطينية التي واكبتها وعايشتها مع اللاجئين الذين قدموا إلينا وسكنوا في وسطنا، الأمر الذي ترك تأثيراً عميقاً في نفسي.».
وعن رحلة تخصّصه الجامعيّ ونشاطه السياسيّ في فرنسا، فيشير مهنا الى أنه قام في تلك الفترة بتأسيس رابطة الطلاب اللبنانية، ثمّ انتخب مسؤول اللجنة الثقافية فيها بحيث كان ناشطاً جدّاً في هذا المجال وعمل على تأسيس فرقة دبكة، وبعدها انتخب رئيس الرابطة في تور، كما ساهم في تأسيس الاتحاد العام للطلاب اللبنانيين في فرنسا وانتخب رئيساً له في أواخر العام 1968. ويضيف: «نظراً لنشاطي الداعم للقضايا الوطنية والعربية القومية وتحديداُ القضيّة الفلسطينية سواء من خلال تنظيم المظاهرات او من خلال الدعوة والمشاركة لاحتلال السفارة الإسرائيلية في مرسيليا، فقد صدر قراراً يقضي بطردي من الأراضي الفرنسية على اعتبار أنني اشكّل خطراً على الأمن القومي»، ويتابع قائلاً : «من ناحيتي رفضت الإمتثال للقرار، كما اعترضت عليه كليّة الطبّ لأن صدوره أتى قبل يومين من الامتحانات، وقد طالب عميد الكليّة تأجيل تطبيق القرار لأسبوع، ونحن استغلّينا هذه الفترة لنقوم بتحركات عديدة بدعمٍ من الطلاب والوسائل الإعلامية كما قمنا بتوقيع عريضة وقع عليها أيضاً الفيلسوف الكبير جان بول ساتر، وأمام هذا الواقع، تراجعت الدولة عن القرار في خطوة فريدة غير اعتيادية، وهكذا أكملت دراستي وبقيت في فرنسا الى حين تخرجّي. بعدها، عدت الى بيروت وعملت في مستشفى الروم وفتحت عيادتي ورحت أتنقل بين المخيّمات والأحياء الشعبية».
هذا ويلفت الدكتور مهنا إلى ان سنة 1967 كانت مفصليّة في حياته، مشيراً إلى «ان العدوان الاسرائيلي على مصر وفلسطين، ترك تأثيراً كبيراً علينا كطلاب عرب، بحيث كنّا نختبئ خوفاً من تعرضنا للشتائم والشماتة، وفي ذاك الحين كان لدي إيمان بأن القوّة هي للحق لكن حينها انقلبت نظرتي واقتنعت بأن الحق هو القوة. من هنا، قررت ان أعمل ضمن اطار المقاومة الفلسطينية الرديكالية اليسارية، وقلت لنفسي بأننا نحن العرب نتكلّم كثيراً إنّما نفعل قليلاً، ولتغيير هذا الوقع يجب ان يكون هناك توازن بين القول والفعل. وبالتالي حسمت خياري الإستراتيجي بالعمل من خلال مهنتي لنصرة الشعوب المظلومة، من دون الدخول في العمل الحزبي».
عن ظروف تأسيس «عامل»، يتحدث الدكتور مهنا، فيقول: «عندما عدت الى لبنان، اكتشفت مدى قوة وتجذّر النظام، ومدى صعوبة خرقه وإحداث تغيير. انطلاقاً من هنا، قررنا ان نقدّم نموذجاً للتغيير يربط القول بالفعل، فكانت مؤسسة عامل التي شهدت انطلاقة فعليّة في العام 1982 غداة الإجتياح الإسرائيلي وفي ظلّ تفاقم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في لبنان، والحاجة الملحة للمزيد من الطاقات البشرية، لكي تعمل في خدمة الوطن والإنسان»، ويتابع شارحاً وجهة نظره: «إن أولى مراحل التغيير تقتضي تقديم نموذجاً صالحاً، وكلّما تراكمت هذه التجارب تكون فرصة الانتقال الى مرحلة أخرى أكبر. فلو تواجدت في لبنان 1000 جمعيّة مثل «عامل» لكان التغيير الإجتماعي حتمياً، ومتى دخلنا في مرحلة التغيير الإجتماعي يصبح التغيير السياسي تلقائياً».
وبالعودة الى المؤسسة «عامل»، يقول الدكتور مهنا: «تقوم الجمعية على ثلاثة عناوين رئيسية هي مبدأ، موقف وممارسة، فنحن نفكّر، نقول ونعمل» مشيراً الى أن هذه الجمعيّة تعتبر من أكبر الجمعيّات التي نشطت في الحرب، ورغم أنّها مصنّفة على أنها حركة وطنية، إلّا أن أحداً لم يتعرّض لها لأنها حركة مدنية عابرة للطوائف والمذاهب».
ويضيف: «بعد انتهاء الحرب الأهلية وحرب التحريرفي العام 2000، وضعنا خططاً للانتقال من حالة الطوارئ الى حالة التنمية، ولهذه الغاية رفعنا ثلاثة شعارات، أوّلاً، التفكير الإيجابي والتفاؤل المستمّر»، ثانياً، نهج الثلاث ميمات «مبدأ، موقف، ممارسة» وثالثاً «توثيق العلاقة مع الأصدقاء وتحويل المحايدين إلى أصدقاء وتحييد الخصوم».
وعن نشاط المؤسسة الإنساني، يشير الدكتور مهنا إلى ان لدى الجمعيّة 24 مركزاً، 6 عيادات نقّالة، بالإضافة الى باصات جوّالة تدور في المخيّمات، بالإضافة الى وحدة مخصصة لحماية اطفال الشوارع، لافتاً أيضاً الى وجود نحو 800 متفرّغاً يعملون بكلّ شغف، حيث أن كلّ فردٍ يمارس دوراً قيادياً على امتداد الأراضي اللبنانية وغير اللبنانية، ويضيف: «نحن نتواجد في عددٍ كبيرٍ من البلدان من الشرق الى الغرب، ودائماً تحت شعار «شركاء لا أوصياء» ، بحيث نبني شراكات مع المنظمات الدولية من الندّ للندّ ولا نخضع لمنطق الفوقيّة».
هذا ويشدد الدكتور مهنا على أهميّة تفعيل الخدمة على الأرض، إذ لا مجال لقيام ديمقراطية حقيقيّة من دون تنمية، على قاعدة «اشبع ثم تفلسف»، فالخدمة في المجتمع والمناطق الشعبيّة تأتي أوّلاً وذلك ليس من باب الشفقة إنّما من باب التضامن الإجتماعي»، مشيراً الى ان «الخدمة تؤدي الى بناء ثقة مع المجتمع المحلّي، وتحقيق التنمية يكون مع الناس وعلى قاعدة الشراكة».
في موازاة ذلك، يشدّد الدكتور مهنا على أنّ «اي عملٍ انساني لا يشمل الفئات الشعبية المهمّشة لا يكون إنسانياً، وأيّ عملٍ إنسانيّ يقوم على إزدواجيّة المعايير فهو أيضاً ليس بعملٍ إنسانيّ»، مؤكدّأً على ضرورة توزيع الثروات الكونية بطريقة عادلة لكي تتحقق الديمقراطية الفعليّة»، ويضيف: «نحن نتطلّع الى دولة تسود فيها عدالة إجتماعية حيث يشرف القطاع العام على الخاص، ونحن كمجتمعٍ مدنيٍ نستطيع ان نشكّل قوّةً ضاغطة من أجل تصويب السياسات لما فيه المصلحة الشعبية».
أما بالنسبة لتمويل المؤسسة، فيشير الدكتور مهنا الى أن 53% من موازنتها تؤمن من المستفيدين من الخدمات التي تقدّمها مراكزها. يضاف إليها ما تؤمنه من نشاطات الدعم السنوي المحليّ حيث تنظم سنوياً 3 لقاءات للدعم المالي في فروعها في مرجعيون - حاصبيا وفي صور وبيروت ويشارك في كلٍّ منها حوالي ألف شخص، وهذا ما يعتبر مؤشر هام للثقة التي تتمتّع بها جمعية مدنيّة في ظل نظام طائفي، وللحيوية التي تتميّز بها. ويضيف: «نحن لا نأخذ أموالاً من السياسيين ولا من دول، فنحن نلتزم بخياراتنا وقضايا الناس المحقة وعملنا مستقيم ولا تشوبه أي شائبة. نحن نتطلع الى القيام بدورٍ عالمي، ومؤسستنا هي نموذج للعمل الإنساني في العالم، بل هي رسالة للتغيير».
وعن نظرته للمستقبل في ضوء الأوضاع المتقلبّة التي تخيّم على المنطقة، يقول الدكتور مهنا: «انا متفائل بمستقبل منطقتنا رغم كلّ الظروف المحيطة بنا، وكلّي أمل بالجيل المزوّد بقيم الحريّة والديمقراطية والعدالة الإجتماعية»، مشيراً الى ان ما حصل في مصر وتونس خلال الأعوام الماضية كان بداية ثورة ، فيما ما نراه مع داعش اليوم هو ثورة مضادة، لكن بعد داعش ستكون هناك اصلاحات في المؤسسات الدينية، انما المسألة تتطلب وقتاً»، غير أن الموضوع الأساسي في رأي الدكتور مهنا يبقى القضية الفلسطينية، حيث يقول:»من دون إيجاد حلٍّ عادلٍ لهذه المعضلة، لن يكون هناك استقرار وسلام»، ويضيف: «لبنان هو مرآة ومختبر المنطقة، ومن هنا تكمن أهميّته».
وفي نهاية الحديث وعن شعوره حيال ترشيحه لجائزة نوبل يقول: «بالنسبة لنا فإن جائزة نوبل باتت مشروعاً أكثر منها جائزة، وهي تمثّل قيمة معنوية مهمّة جداً لعملنا ورسالتنا».

Back to Top