Article

Primary tabs

الحالمون

كلّما كتبنا حرفاً، ونشرنا كتاباً، واحتفلنا بالإبداع، وضعنا مدماكاً في صرح البناء الفردي والجمعي، ورفعنا منسوب الفعل الثقافي وتأثيره في حراكنا المجتمعي، وعزّزنا سبل البحث، في كومات التورّط بالحياة والحب والالتزام ، عن ساحة المواجهة للذات والعالم ، كي لا تنطفئ جذوة الحريّة ، ولا يسكن نبض الإحساس بالوجود الحيّ ، ولا تضعف قوة الدفع في مسار التقدم المتناغم مع أطياف الرؤى والأحلام، وحتى لا نشهد انسحاباً من مشهدية الإقدام إلى هامش الإحجام أو السقوط المريع في العبثية أو العدمية ، في ضوء الشعور الحادّ بالاغتراب والقلق !
كذا هي حال المبدعين الذين يرتحلون في مسارب الآفاق، ويصدقون وجدانهم من غير أن يصادقوا واقعهم ، ويتصالح فيهم الذاتي مع الغيري ، ويرسمون لوحة الحياة المشتهاة كما لو أنها مشهديات بكر ، ويستفزّون فطرة الإنسان الطيبة ليستنهضوا فينا قيم الحق والخير والجمال . كذا هو قدر الحالمين المتعبين الساعين إلى إيداع توقهم الجميل عالمهم الافتراضي الساكن في عرزال المستحيل حتى يصير ممكناً !
بمثل هؤلاء يصير للحياة مبرّر ومعنى ؛إذ كيف لعالم أن يستمرّ وينهد إذا تقطّعت أوتار قيثارته ، واجتاحه الصمت والركود ، ولم تجرح ظلمته مصابيح المكابدة ومداد المقاربة الشفيفة !
هؤلاء هم الحالمون الذين يقرعون جرس الإنذار من تداعيات عالمنا المتصدّع، ويبشّرون بحتمية انحسار الفقر والقهر والقلق والعبث من مشهدية التراجيديا المتواصلة . هم العصافير الشادية حيناً والعقبان الجارحة أحياناً، والأسرى الذين يئنّون من الأصفاد، لكنّهم لا يتوانون عن محاولة كسرها بأسنانهم ! هم المبحرون بمركب الحياة المرتجاة، وموج المنايا حوله متلاطم، حاملين معهم عالماً افتراضيّاً فيه الكثير من براعم البنفسج . هم العاملون بشغف الانتقال من مسرح الانكسار على الخشبة الى مسرح الانتصار في الحياة . هم المنتصرون للحرية ، الناهدون إليها نهود العشّاق الذين شفّهم الوجد وأضناهم الهوى .الحرية اختصاصهم الوحيد ، وكلّ صولاتهم وجولاتهم في ميادين الإبداع ما هي إلا تنويعات و تمرينات على درس واحد اسمه الحرية !
ليس للمثقفين مناص من أن يكونوا ،في أوقات الأزمات بخاصة، رؤوس الحراب في مقارعة الأخطار، ومقاومة العبث والخفّة والتسطيح، على قاعدة الإيمان العميق بأنّ الثقافة هي القاطرة لمجمل الحراك العام ، وهي المجال الحيوي الذي يتيح لنا البحث الدائم عن الأجوبة المناسبة لأسئلة التحدّيات والتحوّلات العميقة التي تحيط بِنَا من كلّ حدب وصوب .
إنّ التاريخ يسجّل في أوراق الزمان كلماته بمدادالفعل الإنساني ، فيصطفي منها ما يصلح للبقاء في دائرة التأثير والانتفاع ، على هدي الآية الكريمة التي تقول : "فَأَمَّا الزبد فيذهب جفاء، وَأَمَّا ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ".

د.فيصل طالب
المدير العام السابق للشؤون الثقافية

Back to Top